طوبى للغرباء

يعيش الناس حياتهم اليومية برتابة؛ تحوِّل أنماطها الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية، إلى مقدسات؛ ترسخها في أذهانهم أمثالٌ شعبية؛ تحنطها وتشرعها، وتحولها إلى عقائد يستميتون بالدفاع عنها. وعلينا-لكي نفهمَ اللحظة التاريخية التي نعيشها، ونخطط لصياغة مستقبلنا في ضوئها-أن نضعها في سياقها التاريخي البعيد!!
يتفاوت الناس في مواقفهم من التغيير، وفي سرعة تقبلهم له، بحسب الفرع الذي ينتمي إليه التغيير من جهة، والأجيال التي ترفع لواءه، والتضحيات التي تقدمها في سبيله؛ من جهة أخرى.
قليل من الناس هم رواد التغيير؛ لا تتجاوز نسبتهم الواحد بالألف من المتحدّين للتقاليد الاقتصادية والاجتماعية كالأزياء والعادات، وتتضاءل نسبتهم إلى الواحد بالمليون من المتحدّين للأفكار العقائدية، والأنظمة السياسية، وهؤلاء هم الغرباء حقاً؛ الذين يدفعون ثمن ريادتهم وتحديهم؛ من حريتهم وأموالهم؛ وحتى من حياتهم أحياناً.
أما الاغتراب الاقتصادي والاجتماعي، فما يلبث أن يتلاشى؛ بانضمام 50% من أفراد المجتمع، -ممن كان يتطلع إلى التغيير-إلى طلائعه، وينتظر نجاح تجربتها، ثم بالتحاق 30%من المترددين الأقل استعداداً للمغامرة. ويتخلف عنه 15% من أفراد المجتمع؛ هم التقليديون المطمئنون إلى القديم المجرَّب، و5% هم الرافضون أصلاً لفكرة التغيير!!
وأما الاغتراب العقائدي فقد يطول أمده حتى يأتي نصر الله والفتح، فيدخل الناس في دين الله أفواجاً؛ كما في تجربة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة!!
ويتفرد الاغتراب السياسي بظاهرة النفاق، والتعايش مع الأنظمة القائمة؛ بنسبة قد تتجاوز 65% خوفاً منها وتجنباً لبطشها، ونسبة قد لا تصل إلى 35% من الموظفين لديها لحمايتها، أو من الطامعين بما تجود به عليهم من فتات موائدها.
لكن هذه النسبة العظمى من النفاق السياسي الذي يظهره المؤيدون تقية، ويتهامسون بضده إذا خلوا إلى أنفسهم، أشبه ما تكون بالطاقة الكامنة القابلة للانفجار، ما تلبث أن تنفجر فجأة لدى أي حادث محرض، فتكسر حاجز الخوف، وتطلق ألسنتها بالنقد والمطالبة بالتغيير؛ لا تدري إلى أين سيقودها التغيير، ولا ماذا سيكون بعد التغيير!!
إن هذا الارتجال الذي تتسم به الانتفاضات الشعبية، يفتح الباب واسعاً أمام المتربصين الذين ينتهزون الفرص، لتنفيذ خططهم التي سبق أن أعدوها لإجهاض هذه الانتفاضات، وإدخال الشعوب في دوامات الفوضى والتفكك والتناقض؛ والعودة بالغرباء إلى ما قبل نقطة الصفر للقيام بواجباتهم في لـمِّ الشمل ومداواة الجراح، ودراسة التجربة، لرسم خطتهم للتغيير بعيد المدى على ضوئها!!
” بدأ هذا الدين غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء” [ حديث شريف] .

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *