على طريق التغيير!! أفكار وتساؤلات

كلمة قدمتُ بها لندوة عقَدتْها دار الفكر في صالة معرض بيروت الدائم للكتاب بتاريخ 2 حزيران 1995م؛ صدرت بعد ذلك في كتيب تحت عنوان: التغيير مفهومه وطرائقه.
أعيدُ نشرَها اليوم؛ بين يدي مشروع (تغيير changing ) لأؤكد أمرين:
أولاً: حالة الكلالة والعجز التي تعانيها أمتنا؛ فأفكار عام 1995 قابلة للطرح عام 2014، لم يطرأ خلال عشرين عاماً، ما يوجب تعديلها، وذلك ما يعني مراوحتنا في المكان، التي هي- في الواقع – تأخر فظيع؛ لا يسوغه انشغال المثقفين بالشكوى والأنين؛ على مدى عقود ماضية، دون تخطيط إيجابي للنهوض!!
ثانياً: العزم على أن يظل هذا المشروع ماضياً حتى تحقيق أهدافه البعيدة؛ مستفيداً من التقدم العلمي المذهل والمتنامي الذي حققته الإنسانية عبر ثورتي المعلومات والاتصالات.. معتمداً على تشاركيته المتاحة لكلٍّ؛ للإدلاء بدلوه فيه، وعلى استمراريته مشروعاً للأجيال؛ ينهض به جيل بعد جيل، وعلى ديمومته: تغييراً بعد تغيير؛ لكي يحقق الإنسان حسن ظن الله به، عندما كان مشروعاً للخلق وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة 2/30].
****
التغيير: مفهومه وطرائقه (الكلمة الافتتاحية)
في هذا الصرح الثقافي المبارك (معرض بيروت الدائم للكتاب) نسعد بلقائكم اليوم في ندوة جديدة بعنوان (التغيير؛ مفهومه وطرائقه).
إن دار الفكر المعاصر ومعرض بيروت الدائم للكتاب، لترحبان بكم أجمل الترحيب، ويسعدهما أن يكون هذا اللقاء تقليداً دورياً يلتزمانه، بدأـ دورته الأولى سنوية، ونأمل لدوراته القادمة أن تتقارب وتتسارع، بحجم تفاقم المشكلات والأزمات التي تعاني منها أمتنا.
إن الذي يحدونا ويملأ نفوسنا اعتزازاً وأملاً:
-أن الذين يلبون دعوتنا من الإخوة والأخوات الحاضرين ، هم نخبة المجتمع، الذين يحملون هموم أمتهم، ويألمون لما تعانيه من مشكلات، ويلوبون هنا وهناك بحثاً عن الحل والمخرج.وهم الجديرون متى انكشف لهم الطريق، واتضحت الرؤية بأن يكونوا رواد الركب وطلائع التغيير إن شاء الله.
-وأن الذين يحاضروننا من العلماء الأجلاء، هم قادة الفكر ومصابيح الهدى الذين ملكوا أزمَّة العلم وتمرسوا بفهم الواقع، وبصُروا بمشكلات المجتمع، وكشفوا عن علله، وشخصوا أمراضه، فكانوا الأجدر بحمل مسؤولية معالجته، حتى يستعيد صحته وعافيته، ولن أقدمهم لكم، فهم أجل من أن يعرَّفوا ومن ثمارهم تعرفونهم.
-وأن الموضوعات التي يناقشونها، ليست من ترف الفكر، ولا من نافلة القول، إنما هي من صميم الواقع المعاش.
وعلى ضوء تصوراتنا لهذه الموضوعات، والأفكار التي نحملها عنها، يتحرك مجتمعنا؛ إما إلى هلاكه وحتفه، أو إلى نهضته وازدهاره.
فحين طرح مفكرونا الأجلاء في الندوة السابقة موضوع (الحوار) سبيلاً إلى (التعايش)، كان هاجسهم الكبير، ما تعانيه الأمة من تمزق وتنازع وتفرق، نتيجة أفكارها الخاطئة عن التعدد الاختلاف والحرية والديمقراطية.
وحين يحدثوننا اليوم عن (التغيير)، فإننا نتطلع إلى أن نجد لديهم الأجوبة على تساؤلاتنا:
-هل التغيير ضرورة؟
-وما الذي يجب أن نغيره؟ أهو المنكر؟
-وما المنكر، وما المعروف؟
– وكيف نغير المنكر؟ هل نبسط إليه أيدينا؟ أم نرفع في وجهه أصواتنا؟ أم نكتفي بإنكاره في قلوبنا ، وذلك أضعف الإيمان؟
– وهل للتغيير أولويات تسوِّغ لنا القبول بمنكر، تجنباً للوقوع في منكر أكبر منه؟
-هل نبدأ التغيير من الحكم أم من المجتمع؟
– وهل التغيير مراحل انتقال، ومعارج يتدرج فيها؛ حتى يستقر في النفوس قناعة ووجداناً، قبل أن يفرض بسيف القانون رغباً ورهباً؟
-أم التغيير يجب أن يكون ثورة عارمة، تحرق المراحل وتقضي على الفساد في الأرض في ليلة حالكة الظلام، فتذره قاعاً صفصفاً؟
-وهل الفساد والصلاح في أذهاننا نسختان لصورة إحداهما سالبة والأخرى موجبة، إذا استبدلنا إحداهما بالأخرى، نكون قد أحرزنا التغيير، وكفينا شر القتال؟
بمعنى آخر، هل التغيير يحتاج إلى تغيير، على الطريقة التي يسميها الماركسيون (الثورة الدائمة)؟
وهل (الأفضل) الذي تحولنا إليه بالتغيير، قابل لإخلاء مكانه لما يظهر لنا أنه (أفضل منه)؟ أم علينا أن نتشبث به على أنه نهاية الفضل والخير، ولا خير بعده؟..
إن أعظم التحولات في تاريخ البشرية تم على أيدي الأنبياء، حتى قيل: إن كل حضارة في تاريخ البشر، لم تتقد جذوتها إلا بشرارة من الدين.
لكن أعظم العقبات في وجه الإصلاح والتغيير، كان من قبل الذين جاؤوا بعد الأنبياء يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ [النساء 4/ 46] ويَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ [التوبة 9/ 34] ، يقيمون للناس محاكم للتفتيش، ليفتنوهم عن دينهم، ويمنعوا ألسنتهم من الكلام، ويلجموا عقولهم عن التفكير؟
فيا عجباً! كيف يكون الأنبياء أعظم بناة للإصلاح والتغيير؟ ويكون من بعدهم أكبر عقبة كؤود في وجه الإصلاح والتغيير؟!
أهو طول الأمد الذي حذر الله تعالى المؤمنين منه، والوحي ما يزال يتنزل عليهم: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد 57/ 16].
ما الذي كان ينبغي على الذين أوتوا الكتاب من قبل أن يفعلوه، كي يتجنبوا طول الأمد، فقسوة القلب، فالفسق؟!
وما الذي جعل الكتاب يتخلف عن فاعليته، ويفقد تأثيره على الناس، وهو موجود في أيديهم؟!
أكان عليهم أن يجددوا باستمرار فهمهم للكتاب؟
هل يتغير الفهم للكتاب من جيل إلى جيل؟
وهل يمكن لجيل لاحق أن يفهم الكتاب على وجه أفضل من الجيل السابق؟
وهل يمكن للفهم الجديد (المتغير) أن يطال المسلمات والثوابت؟
وما المتغير وما الثابت الذي لا يقبل التغيير؟
أراني أحوم حول الحمى وليست لديّ الرغبة ولا القدرة على أن أرتع فيه.. فلأدعه لحماته من العلماء والأفذاذ، لتسمعوا فيه منهم القول الفصل، والبلاغ المبين..

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *