عالم بلا تدخين

بعد أكثر من خمس مئة عام من انتشار آفة التدخين في العالم، منذ أن قام كريستوف كولومبوس بنقلها عن الهنود الحمر في أميركا، إلى إسبانيا والبرتغال، ومنهما إلى كل أصقاع العالم، ليحمل على كتفيه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة..
وبعد أن كان التدخين بكل أشكاله: (سعوطاً، أو مضغة، أو سيكارة، أو غليوناً، أو سيكاراً، أو أركيلة)؛ علامة على الرجولة، والتحضر والجاذبية، واللباقة، والمركز المرموق..
أصبح التدخين الآن: آفة العصر، وهاجسه الأول؛ منعته 27 دولة كلياً في أراضيها، بعدما مهدت لمنعه بتوعية ثقافية واجتماعية بالغة؛ وافتتحت لمعالجة مدمنيه مراكز تأهيلية؛ سلطت الأضواء عليه بوصفه:
مشكلة صحية؛ فالدخان لا يترك خلية من خلايا الجسم، ولا عضواً من أعضائه إلا ويصل إليه؛ تاركاً آثاره الضارة فيه.
ومشكلة اجتماعية؛ بيئية وأخلاقية، فلا يبالي المدخن أن ينفث دخانه الملوث في وجه معافىً، فيحوله إلى مدخن سلبي (مكره)، قد يكون ولدَه في البيت، أو زميله في العمل، أو قد يكون جنيناً في رحم حامل أثبت العلم تأثره بتدخينها، ولا يبالي إن كان زائراً أن يلوث بيت المزور، فيوزع دخانه على أثاث البيت وستائره فلا تكفي أيام من التهوية للتخلص منه، ولا يبالي إلقاء سجائره المشتعلة في الشوارع، وعلى درجات سلالم الأبنية.
ومشكلة اقتصادية تبدد الثروة القومية، مثلما تبدد دخل الفرد فيما يسيء إلى صحته، وغالباً ما يكون ذلك على حساب قوته عندما يكون من ذوي الدخل المحدود الأكثرِ شرهاً للتدخين!!
ومن لم يمنعه من الدول: قيَّده، فمنعه في الطائرات والمركبات والأماكن المغلقة، ومنعت جميع الدول الإعلان عنه، وألزمت صانعيه بطباعة التحذير من خطره على علب السجائر، وخصصت بعض الدول غرفاً معزولة في المطارات للمدخنين كالمرضى والمنبوذين!!
وفي بلدنا الحبيب سورية استقبلنا القرن الحادي والعشرين بالقانون رقم 12 لعام 1996 الذي وضع سورية في طليعة الدول التي تكافح التدخين، وتتخذ للحد منه إجراءات صارمة، لم تلبث أن تراخت تدريجاً، حتى تلاشت، وعاد التدخين – على المكشوف وبتحدٍّ صارخ- ظاهرة مخزية انتشرت بين طلاب المدارس، وبين الفتيات في عمر الزهور، وبعضهن محجبات، يتباهين بتدخين الأركيلة الأكثر ضرراً، واستغلت المطاعم تقاعس السلطة عن تطبيق القانون، وسال لعابها لجني الأرباح جراء تقديم الأركيلة، غدت معه هذه المطاعم مكاناً موبوءاً يتعذر على غير المدخنين ارتياده، ما لم يُضَحِّ برئته تتلقى سلبياً الدخان المنفوث من الرئات الملوثة.
وراجت تجارة الأراكيل، وتوصيلها إلى البيوت، مزودة بكل ما يلزم لتحويلها إلى أسوإ بيئة موبوءة تحتضن أطفالنا، وتسلمهم إلى مستقبل معلول!!
***
هل يمكن لهذا الجو الموبوء بالدخان المنفوث من رئات السلبيين؛ الذين لا ينظرون إلى أبعد من اللحظة التي يعيشونها؛ أن يثير همة الإيجابيين الذين يبحثون في المجتمع عن مواطن الخلل ليتصدوا لإصلاحها؟!
هل لهؤلاء الإيجابيين الذين هم زبدة المجتمع، أن يحملوا على عواتقهم مهمة تخليص مجتمعهم من هذه الجائحة المعمِّرة، وأن يضعوا خططهم لاجتثاثها من جذورها، للوصول إلى بيئة نظيفة لا يلوثها دخان من أي نوع، وإلى مجتمع خالٍ من التدخين ينضم إلى المجتمعات السبعة والعشرين في العالم التي تحررت من رذيلة التدخين؟!
سؤال أطرحه على كل إنسان إيجابي في بلدي وخارجه، أنتظر جوابه حركة على الأرض، لا تكتفي بشعار ترفعه في اليوم العالمي لوقف التدخين في 31 أيار (مايو) من كل عام، بل تقدم لنا برنامجها لجعل التدخين صفحة من الماضي!!

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *