الفعالية والكتاب

الكتاب حاجة أساسية لدى الإنسان المتحضر؛ يلوب لها كما يلوب للرغيف، وتتراخى عنه أيدي التخلف، كما لو أنهما ضدان لا يلتقيان!!
مناهجنا التعليمية ربطت طلابنا بالمقررات المدرسية ومختصراتها، فقتلت لديهم روح البحث وصرفتهم عن المطالعة خارج المنهاج، وكرهت إليهم القراءة والكتاب، حين حصرت هدفهما بالامتحان والشهادة، تنتهي الحاجة إليهما وتبدأ القطيعة معهما بالنجاح في الامتحان وتحصيل الشهادة.
فإن هي أرادت أن تستخدم طاقتها في بناء الإنسان القارئ، أقبلت عليه منذ الصغر، تفتح له آفاق المعرفة، مستغلة ما فطر عليه من حب الاطلاع، فتطارحه الأسئلة وتدفعه للتساؤل، ثم تضع بين يديه المراجع والمصادر، وتتركه يواجه تعب الولوج إليها، و مشقة البحث فيها، حتى يظفر بما يريد، وتغمره السعادة بما حصل عليه بجهده وتعبه وسهره.. عند ذلك ستقوم بينه وبين الكتاب ألفة ما بعدها ألفة، وسيشعر أن حياته مدينة للكتاب، وأنه لا يستطيع أن يعيش من دون كتاب يصطحبه معه كل حين، يحيي به كل وقت انتظار ليزهق ملله، ويخصه بساعات من وقته يخلو به فيها.
أما إذا أرادت أن تضرب به مثل السوْء، وتذهب به خارج دورة الحضارة، فإنها تعمد إلى ربطه بالمقررات، وصرفه عن المراجع، وقتل روح السؤال والتساؤل لديه، وإراحته من عناء التفكير ومشقة البحث، فها هو الكتاب المقرر بين يديه، ما عليه إلا أن يقرأه آناء الليل وأطراف النهار، حتى يحفظ كل حرف فيه، ويصبه في ورقة الامتحان صباً، فينال الشهادة، وتنقطع بها صلته بالكتاب، بل يصبح الكتاب أبغض شيء إليه، لأنه كان الضيف الثقيل المفروض عليه، وها قد انتهت حاجته إليه.. أفتراه يبحث عنه ليعكر عليه صفو هدوئه.
والمناهج عندما تمارس هذا الدوْر، تلغي كل دور لمكتبة المنـزل أو المدرسة، ولحصة المطالعة، ولواجب المطالعة الحرة، ولحلقة البحث، وتصنع من الكتاب أعدى عدو للإنسان.
ولا بد من إعارة الكتاب أهمية قصوى، عند التخطيط لإعادة إنسان التخلف إلى دورة الحضارة، في عصر المعرفة الذي نعيشه!!

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *